أبو الليث السمرقندي
603
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وهو قوله : وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى يعني : من وسط المدينة يمشي على رجليه ، ويقال : يسرع ويشتد في مشيته ف قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يعني : الأشراف من أهل مصر يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ قال أبو عبيد : يعني : يتشاورون في أمرك . وقال القتبي : يعني : يهمون بك ليقتلوك فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ . قوله عز وجل : فَخَرَجَ مِنْها يعني : من مصر خائِفاً يَتَرَقَّبُ يعني : ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني : المشركين . قوله تعالى : وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ يعني : قصد بوجهه نحو مدين ، وذلك أن موسى عليه السلام حين خرج وتوجه نحو مدين ، وكان بينه وبين مدين ثمانية أيام ، كما بين الكوفة والبصرة . ويقال : تِلْقاءَ مَدْيَنَ يعني : سلك الطريق الذي تلقاء مدين ويقال : لما قال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ استجاب اللّه تعالى دعاءه ، فجاءه جبريل عليه السلام وأمره بأن يسير تلقاء مدين ، فسار إلى مدين في عشرة أيام وهو قوله : قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ يعني : يرشدني قصد الطريق إلى مدين . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 23 إلى 25 ] وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 ) قوله عز وجل : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وكان مدين بن إبراهيم عليهما السلام ، وكانت البير تنسب إليه ، وكان ينسب الماء إليه ، وصار مدين اسم قبيلة وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ يعني : وجد على الماء جماعة من الناس يسقون أنعامهم وأغنامهم . ويقال : هم أربعون رجلا ويقال : عشرة رجال وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ يعني : من دون الناس امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ أي : تطردان قال سعيد بن جبير : يعني : حابستان ويقال تحسبان غنمهما . وقال القتبي : تَذُودانِ ، أي تكفان غنمهما ، وحذف الغنم اختصارا . ويقال كانتا تحبسان الغنم لكيلا تختلط بغيرها . ويقال : تحبسان الغنم لتصدر مواشي الناس ، وتسقيان بفضل الماء ، ومما فضل من أغنام الناس ، وهما ابنتا شعيب عليه السلام قالَ ما خَطْبُكُما يعني : قال لهما موسى : ما شأنكما ترعيان الغنم مع الرجال ، وما بالكما لا تسقيان مع الناس قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ قرأ أبو عمرو وابن عامر يُصْدِرَ بنصب الياء ، وضم الدال . وقرأ الباقون يُصْدِرَ بضم الياء ، وكسر الدال . فمن قرأ بالنصب ، فهو من صدر يصدر إذا رجع من الماء ، ومعناه : لا نسقي حتى يرجع